الرئيسية | المرئيات | آراء ومقالات | ركن الأخوات | الفتاوى | الاعجاز العلمي | تفسير الأحلام | الرقية الشرعية | أقليات مسلمة | الطب العربي
..
من القلب إلى الجنة » إخوة الإسلام والإيمان وصية الله سبحانه وتعالى لنا ولكم وللمسلمين في آيات القرآن: (آل عمران: 102). معاشر المسلمين جراحة القلب المفتوح تعد من أخطر وأدق العمليات، وهي من أخطر وأصعب مايصيب الإنسان مما يهدد حياته، ولذا تكون التعليمات بعدها بترك العمل المرهق، ومراعاة التغذية، والكثير والكثير من الوصايا، حتى قسطرة القلب التي تطورت بمجرد أن يحتاج إليها الإنسان، وهي قد لاتستغرق إلا يوماً، لكننا نجد أنه يجدها مؤشر خطر، ويبدأ يلتفت إلى نفسه وصحته وأمره، هذا الأمر معروف في شأن أمراض القلوب المادية المحسوسة، ويشدني مرة أخرى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، الملامس لهذه الأيام وهذا التاريخ، لأجدد التاريخ عنه باستفاضة، وهو الحديث المروي عن عدد غير قليل من الصحابة، فهو بهذا اللفظ مروي من حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى الأشعري وحديث معاذ ابن جبل رضي الله عنهم أجمعين عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ, فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ, إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ". ووقفتنا مع المشاحنة مع هذا القلب الذي يحتاج إلى ما هو أكبر من عملية جراحة القلب المفتوح أو قسطرة القلب، وإذا سلم القلب في الجسد كما نعرف كان أدل الدلائل على الصحة والسلامة، ونحن كذلك ينبغي أن ندرك أن سلامة القلب وسلامة الصدر هي أعظم أسباب نجاتنا، وأكبر أسباب راحتنا، وأنجع وسائل تواصلنا مع غيرنا، سلامة القلب المذكورة بالعنوان العظيم في القرآن الكريم (الشعراء:89) قال الشوكاني رحمه الله : (أي بقلب فيه عدم الحقد والغل والبغضاء) سلامة القلب أي صحته، وبرؤه من الأسقام وجميع الأمراض، سواءً كانت غلاً أو حقداً أو حسداً أو غير ذلك، لأننا ندرك كما قال أئمتنا وعلمائنا أن سلامة الصدر ذات منزلة عالية، قال ابن رجب رحمه الله : (أفضل الأعمال سلامة الصدر من أنواع الشحناء كلها) ثم فصّل وقال: (سلامة القلب من الشحناء لعموم المسلمين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحب لهم مايحب لنفسه)، وقد وصف الله المؤمنين عموماً بأنهم يقولون: (الحشر:10) هذا الدعاء لاشك أنه يمثل أنموذج طموح المؤمن صورة أمله لنفسه ولقلبه، إنه يريد قلباً خالياً من الغل والحسد للمؤمنين، إنه يدعو لجميع من سبقه ليدعوا له جميع من يأتي بعده، تلك الصلة القلبية في الصفاء والنقاء والحب والود، تضمر الخير وتحبه لكل أحد بدون سبب، فكيف إذا كان هناك سبب من أخوة إسلام أو صلة قرابة أو صلة رحم، أو غير ذلك، روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما أمراً فريداً جميلاً يصور لنا روح الإنسان المسلم وقلبه وصدره المحب للخير، قال: (إني لأسمع بالقطر يصيب بلاداً – أي المطر – فأفرح وليس لي فيها سائمة ولا زرع) ليس له فيها مصلحة ستكون له زراعة أو عنده بهائم سائمة، وإنما يفرح للنعمة التي أصابت الناس، وإن لم يكن له بها صلة، قال: (وإني لأفرح بالقاضي يعدل في بلاد من البلاد وليس لي فيها قضية ولا خصومة) يفرح لشيوع العدل بين الناس وانتشاره عندهم، وإنه قد قال كذلك رحمه الله: (ما من آية تمر بكتاب الله إلا وأنا أحب أن يعلم منها كل أحد ما أعلم) وهو كما نعلم حبر الأمة، وترجمان القرآن، أنظروا إلى هذه النفس المحبة للخير، إلى هذا القلب الواسع الذي يسع جميع الناس، دون أن يكون له بهم أي صلة من قريب أو بعيد، وانظروا إلى سلامة القلب والصدر وأهميتها ومكانتها، فيما ذكره الله عزوجل في شأن يوم القيامة: (الأعراف:43) وفي الآية الأخرة (الحجر:47) ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن أهل الإيمان أن الجنة لايبقى فيها ولايستحق دخولها ولا يكون من أهلها، من في قلبه غل، فمن كان عنده ذلك يطهر منه قبل دخول الجنة قال بعض أهل العلم: (الغل يتعذب به الإنسان والجنة ليس فيها عذاب) ولذا ينزع منه الغل، تأمل قوله (إن الغل يتعذب به الإنسان)، نعم الذي يحمل الغل في قلبه والحسد لايرتاح، يبقى دائماً مهموما مغموماً، مشتعل القلب، فيه نار متقدة لاتطفأ والعياذ بالله، لماذا؟ لماذا تعذب نفسك؟ وتجعل كل أمر حولك يدخل الغم والهم على قلبك، بدلاً من أن تنظر إلى نعمة الله عزوجل عليك، وإلى فضل الله عزوجل على خلقه، وإلى نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا الكون الفسيح، تضيق كل هذه الدنيا، ويضيق كل هذا الفضل، ويضيق كل هذا الخير فلا يبقى عندك في قلبك إلا سواد كالح، وظلم فادح، وحقد أسود لماذا؟ لماذا لاتنظر إلى حالك قبل أن تصاب بالمرض العضال، الذي قد يتسبب في موت قلبك، كما قد تتسبب جراحة القلب المفتوح أحياناً في موت صاحبها. وأنتقل بكم إلى الصور التفصيلية التوضيحية من هدي سيد البرية صلى الله عليه وسلم، وصف جميل بكلام بليغ لمن أوتي جوامع الكلم، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام، يقول في حديثه الذي رواه أبو داود في سننه والترمذي والإمام أحمد في مسنده والحاكم وصححه، قال: «الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ» ما معنى ذلك، قال المنوي في المؤمن غر قال: الغر الذي لايعرف الشر، وليس بذي مكر، ولا فطنة للشر، فهو قد ينخدع لسلامة صدره وحسن ظنه، لكن ليس عن جهل وسذاجة، وإنما عن حب للخير، وترفع عن الشر، وأما الآخر فهو جريء يسعى في الأرض بالفساد، وعنده من المكر والكيد ما يجعله يلحق الأذى بالناس، بإصرار وترصد وبخبث ودهاء والعياذ الله. إذاً المؤمن صفته سمته الدائمة التي تحقق انعكاس إيمانه على سلوكه، أنه ليس برجل يدرك الشر ويعرف تفاصيله، ويسبق إلى ذهنه، ويتعلق به قلبه، ويفكر فيه ويخطط له والعياذ بالله، بل هو سليم الصدر حسن النية لعل أبلغ صورة تحضرني الآن في هذا، ماورد في قصة الإفك لأمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، سبحان الله عندما سأل النبي صلى الله عليه وسلم مولاتها، قالت: ما أعيب عليها شيئاً إلا أنها كانت تعجن العجين ثم تتركه فتأكله الداجن، سليمة الصدر، أم مسطح ومسطح ابن أثاثة كان ابن خالة لأبي بكر، وقد خاض فيمن خاضوا في عرض أم المؤمنين رضي الله عنها، خرجت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها مع أم مسطح في الليل لقضاء الحاجة، فعثرت أم مسطح، فقالت تعس مسطح، لأنها تعلم أن ابنها قال هذه المقولة وهي غاضبة، وهي مع أم المؤمنين عائشة، فقالت أم المؤمنين الصفية التقية النقية ذات القلب الطاهر، بئس ماقلتي عن رجل من أهل بدر، لماذا تقولين هذا عن رجل من أهل بدر؟ سبحان الله وهي لم تكن تعلم وحتى بعد أن علمت، والرسول صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة ضربوا بالصفح عمن قال ذلك، تأثراً بالمقولات، وهنا التلقائية ليست أمراً مذموماً، ولا حسن النية أمر مذموم، لكن في الأمور التي يترتب عليها مضرة المؤمن كما قال ابن الخطاب رضي الله عنه: (لست بالخب ولا الخب يخدعني) المؤمن فطن، لكنه ليس بذي مكر وكيد والعياذ الله، وهنا أنتقل بكم إلى صورة أدنى وأعلى، أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لما قال: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، وتكرر ذلك ثلاث مرات وصحب الرجل الصحابي راوي الحديث، ثم كانت النتيجة ليس عندي شيء إلا أني أبيت وليس في قلبي غل ولا غش لأحد من المسلمين، خذ هذه الحبة، يقولون الآن بعد الأربعين خذ حبة من الأسبيرين حتى لايحصل عندك سكتة قلبية أو جلطة قلبة، هذه وصفة نبوية، كل يوم قبل أن تنام صفي قلبك، قل اللهم إني قد سامحت كل من أساء إلي، اللهم نق قلبي على كل من حملت عليه ضغناً، عود نفسك حتى لاتتراكم هذه الأحقاد، فيزداد بها قلبك ظلمة وسواداً، ويزداد بها علةً ومرضاً، كل ليلة يبيت وليس في قلبه غش ولا غل على أحد من المسلمين. وتأملوا معي هذه الصورة المثلى العظمى لقدوتنا وأسوتنا عليه الصلاة والسلام، أنظروا ماذا يطلب الرسول الأعظم والنبي الأكرم عليه الصلاة والسلام يقول: «لاَ يُبَلِّغُنِى أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِى شَيْئًا فَإِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» رواه ابو داود والترمذي في سننهما والإمام أحمد في مسنده وحسنه أحمد شاكر، يطلب أن لاتنقلوا لي القول حتى لايتأثر القلب فإن القلب يتأثر عندما تخبرني بأن فلان فعل كذا ونحن ننقل الكثير والكثير، ونكون جسراً أحياناً من حيث نشعر أو لانشعر بإثارة الضغائن واشعال الأحقاد، والرسول صلى الله عليه وسلم بعظمته وصفاء قلبه ورحمته يقول لاتنقلوا لاتبلغوني حتى أخرج وأنا سليم الصدر، لايريد أن يكون هناك أمر يكدر أو يؤثر على قلبه فيتغير على إخوانه. وأعظم من هذا الوصف الذي ورد في حديث عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ ، صَدُوقِ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ ، لاَ إِثْمَ فِيهِ ، وَلاَ بَغْيَ ، وَلاَ غِلَّ ، وَلاَ حَسَدَ) رواه ابن ماجه في سننه وسنده صحيح. مخموم القلب لما شرح أهل العلم قالوا: هو سليم القلب من خممت البيت إذا كنسته، والمقصود أن يكنس القلب من كل الأقذار، ومن كل هذه الأمراض، مخموم القلب الذي يطهر قلبه وينظفه كما ننظف بيوتنا ونكنسها كل يوم ونلمعها، فلننظف قلوبنا وأن نجعلها مشرقة بالصفاء والنقاء والحب والمودة وعدم حقد وعدم بغضاء على غيرنا، وهذا أمره ظاهر وكثير، وبه قال أهل العلم: مما ذكر عن قاسم الجوعي قوله: (أصل الدين الورى، وأفضل العبادة مكابدة الليل، وأفضل طريق للجنة سلامة الصدر) ، قد لايكون عندك كبير عمل، كما رأينا في قصة الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة، "لكنك تضمر الخير للناس وتحب لهم ما تحب لنفسك"، فيكون لذلك أثر عظيم في هذا، وقال السقطي من أجلّ أخلاق الأبرار سلامة الصدر لإخواني ونصيحتهم والنصيحة لهم. وهنا وقفتنا الأخيرة، ما الذي يحول بينك وبين ذلك؟ ما الذي يوقعك في هذا الأمر الخطير والعلة المميتة؟ التي قد تصل بها والعياذ بالله إلى موت القلب، كما يصل المريض بالقلب إلى جلطة أو سكتة تؤدي بحياته سلمنا الله وإياكم. أولاً نزغ الشيطان، نزغ الشيطان الذي يستثير الحفيظة ويدفع إلى الغضب ويدعوا إلى الانتقام ويسهل الكيد والمكر والحاق الأذى بالناس، كما قال الحق سبحانه وتعالى: (الإسراء:53) وكلنا يعرف الحديث (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) والله جل وعلا في آخر قصة يوسف بعد كل ما مامضى من الأحداث فيها جاء التلخيص: (يوسف:100) كل هذا الفلم الطويل كل تلك المؤامرات، كل تلك الأعمال القبيحة التي حصلت تفسيرها: (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) الثاني: التنافس في الدنيا: فإنه من أعظم اسباب حصول الشحناء والبغضاء، وقد أشار إليه المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: (فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) واليوم أغلب الخصومات ليست في شأن الدين، وليست في شأن الامور الاجتماعية، جلها في هذا الميدان من تنافس الدنيا وشهواتها وأموالها وجاهها وغير ذلك، وقد حذرنا من ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم. والثالث: حب الشهرة والصدارة: فإنه يورث كل هذه الأحقاد ومنه وأختم به، كثرة المزاح وكثرة الجدال الذي يصل أحياناً كثيرة إلى ما يوغل الصدور، نسأل الله أن يسلم قلوبنا من الشحناء والبغضاء، وأن يمن عليها بالصفاء والنقاء، وأن يجعل فيها الحب والمودة لإخواننا المسلمين. إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول واستغفر الله العظيم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية إخوة الإسلام والإيمان أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإنها أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه. وإن صفاء القلوب وسلامة الصدور من أعظم مراتب التقوى وأجلها، وهنا أختم بأمور تقودنا إلى هذا الصفاء والنقاء، وأحسب أن من أهمها أن ندرك أهمية صفاء القلب في راحتنا وسلامتنا، وفي فوزنا ونجاتنا، ذلك في الدنيا وذاك في الآخرة، إن أردنا أن نعرف ذلك، فلننظر إلى آيات القلب في القرآن، وإلى الأحاديث التي وصفت قلوبنا وكيف ينبغي أن تكون، وهذا الذي ذكرته إنما هو غيض من فيض، فإن أدركنا الأهمية وعرفنا المسؤولية ونظرنا إلى الرتبة وعرفنا المكانة، توجهنا حينئذ إلى الخطوات التي تقوودنا إلى صفاء قلوبنا، ونقاء سرائرنا، وسلامة صدرونا. أولها: حسن الظن وحب الخير: حسن الظن بالمسلمين وحب الخير لهم، لماذا تحرم نفسك من ذلك؟ ولاتنتبه إلى ماحذرنا منه النبي صلى الله عليه وسلم في البداية في أول حديثه لما قال: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) حذرنا من الظن السيء، ولايسبق الظن السيء إلا لمن في قلبه مرض، لماذا؟ لأنه يرى إنساناً فيقول هذا لعله كذا؟ يصفه بصفات سيئة، لماذا؟ لأنه قد خالط قلبه وعقله هذه الصور السيئة فهي تسبق إلى ذهنه، طهّر نفسك وقلبك بإحسان الظن، وكلما رأيت أمراً قل بعكسه وضده، فإن كان هو فخير، وإن كان غير ذلك فلست محاسباً ولا مسؤولاً عن خلق الله، وعندك من النصح والوعظ أبواب كثيرة للإصلاح، وحب الخير هو نفسية كما أشرت الى فيما قاله ابن عباس: نفسية، من أوتيها وسعى إليها جعل الناس كلهم يحبونه، ويقبلون عليه، ويتعاملون معه، لأنهم يدركون ويلمسون ويشعرون بأنه يحب لهم الخير، ويتمنى لهم مايتمنى لنفسه كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في دلائل الإيمان: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه). الثاني: ضبط اللسان وترك الانفعال: هذا اللسان هو الذي يورد المهالك، اضبط لسانك، لاتنل أحداً بسوء، لاتتكلم بنميمة، لاتتلفظ بغيبة، لاتنفعل فتشتم، فإن ذلك كله سهام تذهب إلى قلوب الناس وتزرع هذه الشحناء والبغضاء، عفوا اللسان وانظروا إلى قوله (البقرة:83) لماذا؟ إن لم تفعلوا (الإسراء:53)، إذا لم يكن كلام طيب، فسيكون للكلام السيء أثر في القلوب غير محمود. الثالث: المبادرة إلى الاستغفار وتعود العفو: قد تنفعل فاستغفر من وقتك، قد تخطيء فاعتذر في حينك، وتعود على العفو، وتأمل ما خاطب الله به المؤمنين عموماً، وكان الخطاب لأبي بكر في قصة حادثة الإفك (النور:22) فليعفوا وليصفحوا فالمبادرة إلى العفو والصفح هي خير لك، وهي ثواب لك، وهي أمر تعيد به العلاقة مع قريبك وذي رحمك، ومع أخيك المسلم ومع كل أحد من الناس. الرابع: التأني والتثبت: فإن العجلة هي من موارد الهلاك، نسمع المقولة من هناك سيما اليوم مع وسائل التواصل، كل خبر نصدقه ونبدأ نبني عليه بأنه صحيح، وأن هذا قال كذا وهذا فعل كذا، والله عزوجل كما نعلم ينادينا يقول: (الحجرات:6). الخامس: الارتقاء إلى درجة مقابلة الإساءة بالإحسان: وليس هذا بصعب على من يسره الله عليه، وهذا الوصف هو الذي دعينا إليه في القرآن: (فصلت:34) هذا الذي وصف به الأصفياء الأتقياء الأنقياء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: (الحشر:9). السادس: المواظبة على الدعاء: أدع الله عزوجل أن يطهر قلبك من كل ما لايحب ويرضى، سواء من أمر متصل بالله عزوجل في توكل أو محبة أو رهبة أو خوف أو رجاء أو غير ذلك أو في ما يتصل بعباده من هذه الأدواء والأمراض، فالدعاء من أعظم الأسباب التي نستعين بها على صفاء قلوبنا، ولنعلم أيه الأخوة الكرام أن هذا الأمر - أي أمر الشحناء والبغضاء – من أسباب الحرمان، فإنه يحرم من المغفرة، كما رأينا في نص هذا الحديث، وأحاديث أخرى كما قلنا في يوم الخميس والاثنين «أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» ثم هو أيضاً من أسباب قوة أمة الإسلام، لأنها إذا تحابت توحدت، وقويت شوكتها، وعظمت وحدتها، وهابها عدوها، ولكن عكس ذلك، كما قال جل وعلا: (الأنفال:46) فالقوة في الألفة والمودة والمحبة ونحن بين يدي شهر كريم، ونصف الشعبان يحل بنا في هذه الأيام، وتذكرة المصطفى صلى الله عليه وسلم في أحاديث باقية إلى قيام الساعة، ونموذجه الأعظم والأمثل في عفوه وصفحه، حتى بمن آذاه وقصد به السوء عليه الصلاة والسلام، لما تعالى عن كل ذلك بعد فتح مكة وعفى عمن عفى عنهم ليس واحداً ولا اثنين بل عشرات ومئات وكان لذلك أثره، ولذا ونحن في هذه الأوقات العصيبة التي تمر بأمتنا فلنعلم أن من أسباب دفع البلاء علاج الأدواء والأمراض، إذا صحت الأجساد وسلمت القلوب سنكون قادرين على المواجهة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا الى دينه ردا جميلاً، اللهم طهر قلوبنا وزك نفوسنا وهذب أخلاقنا وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا وأصلح أعمالنا، وضاعف اجورنا وارفع درجتنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم يا أرحم الراحمين يا أكرم الأكرمين تولنا برحمتك واعزنا بدينك واجعلنا اللهم من عبادك المؤمنين ومن ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.  الثلاثاء, 24 أيار/مايو 2016 11:15
معركة القادسية عام 14 هجرية. PDF طباعة أرسل إلى صديق

شبكة رسول

خرج سعد في سنة 14هجرية \635م في أربعة آلاف مقاتل يمثلون القوة الضاربة , و التحقت به أعداداً كبيرة من عرب الجزيرة الذين يستوطنون طريق العراق, فتكامل جيشه مع من انضاف إليه من عرب العراق(جيش المثنى).
عسكر سعد في القادسية و اتخذ من قلعة قديس مقراً لقيادته و كان واضحاً أنه اختار البقاء قرب الصحراء لضمان خطوطه الخلفية التي تكون مواصلاته و خطوط امداده. و استدرج جيش الفرس بقيادة رستم إلى حيث قرر أن تدور المعركة , و ما ان استقر سعد حتى بدأ عملية تكييف جيشه لأرض المعركة فقسمه كتائب و سرايا بثها في المنطقة الواقعة غربي الفرات بين السماوة و الحيرة باتجاه ميسان إلى ان وصل الجيش الفارسي بقيادة رستم.
و لقد سبقت الحب مفاوضات بين الجانبين بطلب من القائد الفارسي رستم استغرقت وقتاً غير قصير , و دارت بين وفود العرب و يزد جرد في المدائن أو بينهم و بين رستم نفسه , عبرت الوفود العربية المفاوضة عن شعارات العرب و استيعابهم لرسالتهم و كان تركيزهم في المفاوضات في تحديد هدف مجيئهم إلى العراق " الله جاء بنا لنخرج من شاء من عباده من عبادة العباد إلى عبادة الله , و من ضيق الدنيا إلى سعتها , و من جور الأديان إلى عدل الاسلام" موجزين المبادئ الجوهرية الثلاثة المعبرة عن انسانية الرسالة العربية:
التوحيد و الحرية و العدل, و من ثم وضع الفرص أمام الخيارات الثلاثة : الاسلام أو الجزية أو القتال.
ركز سعد في الأمور الأساسية ذات الصلة بالمعركة و هيأ الخدمات و وسائل النقل و البريد فاستخدم حوالي1700إمرأة من النخع و بجيلة للقيام بواجبات إيصال الماء و الطعام و أسلحة القتال إلى المقاتلين في الصفوف الأمامية و كذلك العناية بالجرحى و دفن الشهداء,
كما هيأ أعداداً كبيرة من الإبل لاستخدامها في النقل و الحركة و في توزيع القوات و حركتها أثناء القتال. و رتب إيصال الأوامر العسكرية إلى القوات بسرية و سرعة حتى قيل أن الجيش كان يسمع أوامره كأنه رجل واحد , و كان واضحاً أن القائد سعد يركز في خطته للمعركة في استخدام الزمن و أنه يجب أن ينظم تفاصيل المعركة على نحو يحقق تفوقاً في استخدام الزمن لإحراز النصر .

المعركة
دارت معركة القادسية على مدى اربعة أيام , ابتدأت يوم الاثنين 6 محرم سنة 15 هجرية المصادف 19 شباط سنة 636م و انتهت بانتصار العرب و هزيمة الفرس هزيمة ساحقة فانسحبت فلولهم نحو المدائن تتبعها القوات العربية.
أنهت معركة القادسية القوة العسكرية الرئيسة للفرس في العراق , و فتحت لهم أبواب العراق , فرحب بهم أهله, و تقدم سعد للمدائن فعبر دجلة و دخلها بعد مقاومة ضعيفة أنهاها الملك الساساني بهروبه من عاصمته. و عمد بعد دخوله المدائن إلى تنظيم جيشه و انجاز الاعمال العسكرية الضرورية لتأمين المدائن, فأرسل جيشاً بقيادة هاشم بن عتبة إلى جولاء فحررها و ترك فيها حامية عسكرية بقيادة جرير بن عبد الله البجلي الذي تقدم نحو حلوان فطرد الفرس منها و أرسل الخليفة عمر بن الخطاب (رض) سنة 17 هجرية أبا موسى الأشعري قائداً لمنطقة البصرة ثم أمر سعداً بن أبي وقاص أن يتخذ لجيشه مقراً جديداً غربي الفرات حيث لا يعزله عن الصحراء عازل , فاتخذ سعد الكوفة مقراً له.
اتجهت جهود أبي موسى العسكرية إلى تأمين البصرة أولاً فأعاد تثبيت ما حققه العرب من انتصارات قبله في الأبلة و الأراضي الممتدة على طول شط العرب إلىميسان , ثم توجه إلى الأحواز , ووصلته الإمدادات من الكوفة بقيادة النعمان بن مقرن المزني فوضع قوة عسكرية بقيادة سهل بن عدي قبالة سوق الأحواز و أمر النعمان بن مقرن المزني أن يتقدم إلى رامهر فدخلها و انسحب الهرمزان بقواته إلى تستر , ثم التحقت قوات سهل بن عدي و قوات عرب الاحواز التي مع سلمى بن القين و حرملة بن مريكة و حرقوص بن زهير السعدي و جزء من معاوية فحررت تستر و السوس و جندي سابور.
وجه الخليفة عمر(رض) عتبة بن فرقد السلمي إلى الموصل سنة 20 هجرية فتقدم إليها و حررها و سيطر على ما حولها, ثم ولى هرثمة بن عرفجة البارقي عليها فأسكن المقاتلة العرب في الموصل و جعلها قاعدة للحركات العسكرية في الشمال , و قام عتبة بتعزيز حاميته في تكريت و يبدو أنه تقدم فيها إلى باجرمي و شهرزور حيث استقرت قواته لتأمين المنطقة.

 

Loading... 
أرسل خبرا أتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة ل مجلة العائلة
www.familyjo.com